مجموعة مؤلفين
74
كتاب الأطباء القوصونيون
تاريخ الحضارة العربية الإسلامية ، وهو ما يؤكده كتابه قاموس الأطباء الذي وصفه بأنه لم يسبق إلى مثاله ، وينسج عن منواله ، وذلك لأنه اشتمل على عدة أنواع من المفردات من المعادن والنبات والحيوان . كما أنه ذكر فيه أئمة اللّغة لضبط كل لفظ ، ومعرفة ماهيته ونوعه ، وطبعه ، وقوته ، ومنافعه ، ومضرته ، واصلاحه وبدله . كما ذكر فيه أسماء المركبات ، وصفه تركيب بعضها كالترياق وإيضاح ما خفى على الأذهان . « 1 » ونراه في نفس المخطوطة ، في فصل الميم ، يوضح لنا معنى مرض المالنخوليا وهو كلمة ولفظ يوناني ، ثم يقدم لنا معناه في اللغة ، وبعد ذلك يشرح أسبابه وعلاماته وطرق علاجه ، فيقول : المالنخوليا بالنون الساكنة ، وفتح اللام الأولى ، وكسر الثانية . اسم لنوع من الجنون ، وهو لفظ يوناني معناه الخلط الأسود ، وهو سبب هذا المرض فسمى باسم سببه . قال الثعالبي في فقه اللغة المالنخوليا ضرب من الجنون ، وهو أن يحدث بالإنسان أفكار ردئية ، ويغلبه الخوف والحزن ، وربما صرح ونطق بتلك الأفكار وخلط في كلامه . انتهى . وقال الأطباء : هو عبارة عن تغير الظنون عن المجرى الطبيعي إلى الفساد ، لسوء مزاج مادي يوحش النفس ويفزعها بظلمته من داخل . . وعلامته الهم ، والفكر ، والخوف والفزع ، والبكاء والتخيلات الردئية ، وحب الوحدة والظلمة ، وعلاجها بالفصد بشروط ، واستفراغ السوداء بمطبوخ الافتيمون بعد الانضاج ، وترطيب البدن بالأغذية ، والأشربة ، وتقوية الدماغ والقلب بالفرحات المعتدلة « 2 » . . وهذه العناية الكبيرة التي يوليها مدين القوصوني تعود في المقام الأول إلى اهتمامه باللغة العربية ، وهو الاهتمام الذي جعله يفرد رسالة مستقلة في تحديد ليلة وليلات بعنوان : منتهى الغايات في تعريف الليلة لغة وشرعا وجمعها على ليال وليلات . فالليلة عنده من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق . والنهار من شروق الشمس إلى نحو غروبها . ثم يوضح أن هذه الدلالات اللغوية تصاحبها دلالة فقهية شرعية ، إذ النهار شرعا من طلوع
--> ( 1 ) القوصوني ( مدين ) : قاموس الأطباء ، الورقة الثانية ، ص 3 . ( 2 ) المصدر السابق ، الورقة السابعة ، ص 14 .